محمد أبو زهرة
108
المعجزة الكبرى القرآن
ذكر سبحانه ما سلكه فرعون كما يسلكه أي طاغية من طواغيت هذه الدنيا الذين يظهرون في كل زمن ، وفي أرض كأرض مصر ، وناس كناسها ، كما أشار إلى أنه عمل على تفريق جمعهم ، وتشتيت أفكارهم ، وصاروا متفرقين في ذات نفوسهم ولا تجمعهم جامعة حق ولا ثورة على ظلم ، بل كان يقول لهم في استكبار : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ويقول في استنكار : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] . وقد قال تعالى فيما سلكه : وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً وهنا نجد كلمات ثلاثا ، كل واحدة منها تنبئ عن قصد الفرقة والانقسام بعد الوحدة والالتئام ، فكلمة جعل هي بمعنى صير ، وهي تدل على أنهم كانوا متحدين في المشاعر والأحاسيس متفقين في المنازع ، والمطامح والآمال ، فجعلهم متفرقين منتشرين في غير اجتماع ، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ، والكلمة الثانية أهلها فهم كانوا قبلها أهلا ، أي أنهم كانوا مجتمعين غير منقسمين ، فلكى يعلو عليهم أجمعين فرق جمعهم وشتت شملهم ، فكيف يعلو إنسان مهما يكن طاغوته ومهما تكن قسوته وغلظته وحيلته ، على قوم متحدين مجتمعين ، ولكنه يخذل بينهم ، ثم يملك عليهم . والكلمة الثالثة كلمة شيعا ، فإن الشياع يتضمن معنى الانتشار ، وأن يقوى جزء على الآخر يحسب كل جزء منهم أنه أقوى من الآخر ، وأنه لا تربطه به رابطة ، ولا يجمعهم به قومية أو رحم ، أو تشابك المصالح ، ودفع المضار ، فإذا كانوا كذلك استعلى واستكبر ، ولا يجد من يرده عن غيه ، ويقمعه في شره ، فيكون الهلاك ، وتقطع الأسباب . وإن النتيجة التي تكون أثرا لذلك ، أن يجعل من طائفة منهم بطانة له ، وجندا يستنصر بهم ويتخذهم أسواطا يضرب بها غيرهم ، ويتحكم في جمعهم ، ولذلك قال تعالى في ذكر هذه النتيجة الحتمية التي تتبع التفرق تبعية المسبب لسببه ، والنتيجة للمقدمة يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ أي يصور طائفة منهم ضعفاء ، أو يطلب ضعف طائفة منهم ، ويتتبعه ، وهنا إشارة بيانية رائعة لا تكون إلا في القرآن الكريم ، وهذه الإشارة هي أنه ذكر الطائفة المستضعفة ، ولم يذكر الطائفة التي جعل فيها قوته يضرب بها رقاب الناس ، والسبب في أنه تعالى لم يذكرها موصوفة بالقوة ؛ لأنها وإن لبست لبوس القوة ليست - في حقيقة أمرها - قوية في شئ ؛ لأنها ليس لها اختيار فيما اختارت ، ولأنها لا تملك من أمرها شيئا ، بل مسخرة لطغواه ، مرادة له ، وليست بمريدة فيما تفعل ، والقوى هو الذي يفعل ما يريد هو لا ما يريده غيره ، ويعمل ليرضى شهوة نفسه لا ما يرضى غيره ، وليس هو من تكون إرادته فانية في إرادة غيره ، قد لبس جلد النمر ، وما هو إهابه ، وإذا كانت الطائفة المستضعفة إيذاؤها بدني مادي . فهؤلاء الذين ظهروا بمظهر القوة إيذاؤهم معنوي ، وهو فناء إنسانيتهم وإرادتهم وتفكيرهم ، وكل مكونات